عمران سميح نزال
85
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
شبيهة بما يثار من اعتراضات على التفسير التاريخي الذي ظهر حديثا « 1 » ، وما يثار من اعتراضات حول ترتيب نزول السور القرآنية « 2 » ، وهذه الاعتراضات في الغالب هي بسبب الالتباس حول حقيقة هذا العلم وأهدافه ، وبسبب صعوبة أو استحالة الوصول إلى الترتيب اليقيني ، ونحن نتفهم ذلك ، وقد بيّنا من قبل حقيقة هذا العلم وأهدافه بما يرفع اللبس لمن أراد الحقيقة فعلا ، بأنه علم منهجي اجتهادي تفسيري . وأما عن صعوبة المعرفة التاريخية ويقينية ترتيب النزول ، فنقول إن المعرفة اليقينية لعلم تاريخ النزول ليست مطلبا شرطيا ، والمعرفة اليقينية ليست شرطا لهذا العلم ولا لغيره من العلوم الاجتهادية الظنية ، وقد سبق الإشارة إلى أن « علم التفسير في معظمه قائم على الاجتهاد سواء في ذلك التفسير البياني أو الأدبي أو الفقهي أو العلمي أو الصوفي أو حتى الأثري . . وسواء في ذلك التفسير التحليلي أو الإجمالي أو الموضوعي أو غيره » « 3 » ، والحجة اليقينية التي يعتمد عليها هذا العلم هي في نزول القرآن الكريم مفرقا ، وأن في ذلك عبرة ودرسا للمسلمين والمؤمنين ، وكل هذه الدارسات التاريخية تجتهد في معرفة هذا الدرس القرآني الأول ، فالمطلوب هو أخذ العبرة العلمية من النزول التاريخي للقرآن أول مرة ، وهذا ممكن حتى من المعرفة التاريخية الظنية ، أي على غلبة الظن العلمية ، والترجيح بين الممكنات . إن حكمة نزول القرآن مفرّقا لا تتعارض مع معرفة الوحدة التاريخية لأي سورة قرآنية إطلاقا ، بل هي دعامة لها وأساس لوجودها ، وبالأخص إذا اعتمدنا على ترتيب النزول الذي اجتهد فيه الصحابة والتابعون ، إذ كانوا قريبي عهد بمعرفة ما تقدم وما تأخر من تاريخ نزول السور ، كما أنهم لا بد قد أعملوا عقولهم في ترتيب
--> ( 1 ) انظر : محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم ، الدكتور فريد محمد سليمان ، مكتبة الرشد ، الرياض ، الطبعة الأولى ، 1414 ه - 1993 م . ( 2 ) انظر : بحث « حول ترتيب نزول السور القرآنية » ، الدكتور إبراهيم عبد الرحمن خليفة ، كتاب : دراسات إسلامية وعربية ، إشراف د 0 جمال أبو حسان ، دار الرازي ، عمان - الأردن ، الطبعة الأولى ، 1423 ه - 2003 م ، ص ( 91 - 119 ) . ( 3 ) منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ، الدكتور زياد الدغامين ، ص 114 .